السبت، 14 يناير 2017

نص لحنة آرنت:

"نحن بحاجة إلى الفلسفة بوصفها ممارسة للعقل أو لملكة الفكر للوقاية من الشر"

"الحاجة إلى الفكر لا يمكن إشباعها إلا بالفكر، والأفكار التي أمتلكها بالأمس لا تشبع حاجة الغد، اذ هي الأخرى تخضع إلى إعادة النظر. نعزو إلى كانط التمييز بين الفكر والمعرفة، وبين العقل (السرعة في التفكير والفهم) والفكر الذي يرغب ويقدر على معرفة بعض المعارف الخاصة واليقينية...
أعتقد في هذا السياق أن التمييز بين العلم والفكر لا بد منه، وإن كانت القدرة على التمييز بين الخير والشر لها علاقة بالقدرة على التفكير، فإنه من الضروري أن نحيّين ونجدد هذه القدرة لدى كل صاحب عقل سليم، بغض النَّظر عن سِعة علمه أو جهله أو فطنته أو حماقته، كانط كان تقريبا الفيلسوف الوحيد الذي انزعج بالفكرة المألوفة التي ترى أن الفلسفة لا تعني إلا الأقلية، تحديداً فيما يرتبط بالنتائج الأخلاقيَّة، لذلك يقول: "الحماقة من أثر القلب السيء"، وأظن أن الكلام صحيح، إذ ليست الحماقة هي العجز عن التفكير، ويمكن أن نلاحظها لدى بعض الأفراد الأذكياء، وقد يكون الشر هو السبب، باعتبار أن غياب الفكر هو حماقة في حد ذاته وهي من الظواهر المألوفة، فالإشكالية تكمن تحديداً في أن القلب السيء قد لا ينتج الشر بالضرورة. بكلمات كانطية فنحن بحاجة إلى الفلسفة بوصفها ممارسة للعقل أو لملكة الفكر للوقاية من الشر.

يبقى إذاً، أن الفكر يعنى بالمواضيع الغائبة التي تتجاوز الإدراك الحسي المباشر، موضوع التفكير لا يفتأ أن يكون صورة، أي أن الموضوع أو الشيء في حالة الغياب لا يحضر إلا في الفكر ذاته، والفكر لا تمكن ممارسته بلا خيال، بطريقة أخرى، عندما أفكر فأنا أنعزل عن عالم الظواهر وإن كان تفكيري له علاقة بالقضايا المحسوسة البسيطة، فأن أفكر في شيء ما، يعني ذلك أن هذا الشيء ليس عياناً، وأن نفكر في شيء هو حاضر أمامنا. يظل جوهر الإنسان هو "الفعل" كملكة فطريَّة تمكنه من "البدء الجديد". على هذا الأساس يطمح التفكير إلى بناء فهم جديد للواقع غير أن الإبداع ليس بالضرورة "فعلا". الفعل وحده النشاط يربط فيما بينه دون وساطة الأشياء والمواد، وبالتالي فإنه يتطابق مع الوضعية الإنسانية المتعددة التي لا يجب أن تغيب عن أذهاننا، فنحن نتقاسم العالم مع الآخرين لكي نشكل لحمة إنسانية واحدة لكنها متعددة وتقوم على اختلاف لا نهائي". هنة آرنت: "التفكير والاعتبارا أخلاقيا"، ترجمة، جهاد شارف، ماخوذ من الكتاب الجماعي: "الفعل السياسي بوصفه ثورة: دراسات في جدل السلطة والعنف عند حنة آرنت"، ص 595 – 597.
هذا النص مناسب تماما للمتعلمين في أقسام الفلسفة بالتعليم الثانوي، غير أنه يتوجب وضعه في سياقه السياسي والفلسفي، تجدون أدناه تعليقي على العلاقة بين التفكير والشر عند حنة آرنت، مقتطف من كتابي: "الشر، الدين وخطاب الحداثة"، تقديم: سعيد ناشيد، دار نيبور، العراق 2014.
غياب الفكر (أو عوز التفكير) والأمل في محو الشر
تجعل حنة آرنت التفكير الاساس الذي بموجبه يمكن مواجهة ومقاومة الشر، فالفعل الذي قام به إيخمان يحتاج إلى تفكير جديد لا يقوم على أحكام القيمة ولا على المعاداة للنازية، لأن ايخمان هو مجرد شخص وقد أنجز عملا تافها تعود مسؤوليته للنظام النازي. وبدون التفكير لا يمكننا القضاء على الشر، هكذا فالتفكير الذي تدعو اليه أرندت هو تفكير في مجال الحرية والإرادة من زاوية سياسية وليس أخلاقية كانطية محضة. وتقصد بالبعد السياسي النزوع نحو الانتقام والعنف الذي يوجد داخل كل واحد منا والذي تغذيه الأنظمة البيروقراطية والكليانية التي تدفع البشر إلى التصرف دون رحمة ودون شفقة، وهم يحسون أنهم يرتكبون مجرد أفعال بسيطة، ولكنها في الحقيقة إجرامية إلى حد بعيد إنه "الشر التافه والعادي"، ولكنه مخيف بشكل كبير. فالأنظمة التوتاليتارية من وجهة نظر أرندت وتحديدا النظام النازي والستالينية الروسية بشكل أخف، تزكي الاتجاه نحو تكريس النظرية السلوكية في الفعل البشري بحيث يتصرف أجراء البيروقراطية الادارية والعسكرية والاقتصادية والسياسية كفئران تجارب. ولقد أدت الحرب النازية على اليهود إلى إبادة ما يناهز المليونين من يهود أوروبا، وفي الآن ذاته عذبت الستالينية المعارضين السياسيين الموالين لصديق ستالين نفسه، هذا وقد كانت محاكمات موسكو 1936 التي تسشهد بها أرندت مثالا ساطعا عن الفظاعات التوتاليتارية، حيث تم اطلاق النار على المعارضين وتم ارسال عشرات الالاف من بحارة بيتراسبورغ إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا، نفس الفعل قامت به السلطات النازية في ألمانيا على ايدي موظفي الجيش والساسة النازيين. فهل نجد حلا لكل هذه الفظاعات؟ ترى أرندت أن الشر يمارس في الفضاء العام وتحت أعين أشخاص مهيجين ومعدين سلفا تحت التأثير الايديولوجي الصارخ الذي ترعاه المؤسسات الاعلامية الرسمية. وها هنا تصرخ أرندت في وجه هذه "المأساة الانطولوجية" التي حلت بعالم اليوم الذي فقد صوابه، وتقول في وجه الملايين الذين اقتيدوا إلى معسكرات الاعتقال والإبادة: كيف لا تستطيعوا أن تنتفضوا وأن تثوروا في وجه هذا النظام الهمجي؟ كيف تقبلون أنتم الملايين أن يقودكم في القطارات ما لا يتجاوز مئة جندي[1]؟ هل بلغت الفظاعة بهذا الإنسان أن يكون خاضعا بشكل كلي لقوانين تتعارض مع إرادته وحريته؟ هنا تقف أرندت على الفهم الكانطي للقانون الأخلاقي، وتعتبر أن هذا القانون لن يجدي في شيء ولا يمكنه أن يحل مسألة الشر المتجذر في السلوك السياسي البشري. وتفتح هنا الأفاق للتفكير في حجم هذه الفظاعة الشرسة التي أدت إلى مجازر في حق البشرية. وأكيد أن شرط الإنسان الحديث يدعو إلى التأمل في كل أبعاده. فهل ثمة تبرير أخلاقي لفعل ايخمان أو بعبارة أرندت: كيف تبنى ايخمان الموقف الكانطي؟
بموجب السلطة التوتاليتارية يتحول الواجب إلى واجب القائد والزعيم (الفوهرر)، ويغدو مبدأ الطاعة متمركزا على الذات القائدة سياسيا، وهكذا يتحول مبدأ الطاعة المفترضة للواجب الأخلاقي الكانطي إلى طاعة الواجبات التي يفرضها ويمليها الزعيم. هنا يتماهى الفرد - كما هو الحال مع إيخمان – مع القائد الذي يقود كل الأفراد الأخرين، وهي الحالة التي يتحول فيها إيخمان إلى رجل عادي ولكنه يفعل الشر إلى أقصى حد[2]. ولكن فعل الشر هنا ليس نابعا من الفرد – من وجهة نظر أرندت – ذاته وإنما من السلطة السياسية والايديولوجية التي حولت الفرد إلى قطيع يطيع أوامر الزعيم. وهو الأمر الذي وقف عليه فرويد قبل ارندت وغوستاف لوبون فيما يسمونه بسيكولوجية الجماهير، وهي حالة نفسية لم يعد معها الفرد قادرا على التصرف كفرد وكذات وإنما حالة فوران وانفعال تطبع معظم تصرفاته ومواقفه في تلك الأثناء. صحيح أن الإيديولوجيات الكبرى قد فتحت القرن الواحد والعشرين على امكانات لتخليص الفرد من القيود التسلطية التي فرضت عليه طوال قرون، ولكن لطالما تحولت هذه الإيديولوجيات الى عذاب أليم بالنسبة لتلك الجماهير التي أسكرتها وسحرتها بعباراتها التحررية. فستالين نفسه الذي يخطب في الناس أيام البلشفية الأولى، وهو في طريقه إلى جبال القوقاز لتجنيد الشباب للنضال ضد القيصر، سرعان ما سيتحول إلى مستبد أكثر من القيصر نفسه، وهو يشرف على مذابح موسكو 1936، وعلى الأخص ذبح زملائه في النضال السياسي. ونقرأ في أسس التوتاليتارية: "إن إنجذاب الشعب نحو الشر والجريمة ليس شيئاً جديداً. الناس لم يتوانوا عن الترحيب بأعمال العنف مدركين أن هذه الاعمال قد تكون سيئة لكنها أعمال خلاّقة. لكن الاخطر في نجاح التوتاليتارية هو عدم الاكتراث الحقيقي الذي يبديه المنضوون تحت لوائها. من المنطقي أن لا يهتز النازي أو البلشفي في قناعاته عندما يشهد أعمال عنف ضد اشخاص لا ينتمون الى الحركة أو يعادونها، لكن الغريب في الامر أن لا يرف له جفن حتى عندما يبدأ الوحش بالتهام أبنائه، أو حتى عندما يصبح هو نفسه ضحية للاضطهاد، أي إذا ما تمت محاكمته من دون حق، أو جرى طرده من الحزب، أو حُكم عليه بالاشغال الشاقة أو أُرسل الى مخيمات الاعتقال".. هكذا يصبح ايخمان، رجلا عاديا غير مسؤول عن فعله لأنه ليس هو منبع الشر، وإنما مجرد أداة تنفيذ لأوامر الزعيم وهذا ما تسميه أرندت بتفاهة الشر في مقابل الشر الجذري. وبموجب هذا ينبغي الانتباه إلى التحول العميق الذي حدث في فهم بنية الشر، بحيث لم يعد الشر – كما هو الحال عند كانط - القيام بأفعال لا تنسجم والقانون الأخلاقي، وإنما أصبح الشر نابعا من طاعة الأوامر القانونية وهو الأمر الذي لم ينتبه اليه العديد من المتتبعين ولمحاكمة ايخمان. وبمعنى آخر هل يمكن أن نعتبر أن إيخمان يعي جيدا أنه يفعل الشر؟ أو أنه يقوم بفعل الشر بمحض إرادته؟ ايخمان في نظر ارندت هو مجرد موظف ينفذ القرارات التي يمليها القانون. فأي مسؤولية أخلاقية يتحملها ايخمان ها هنا؟ وهكذا فليس ثمة من شر - بحسب أرندت - في الطبيعة البشرية، لأن هذه الفكرة لاهوتية في الأساس (وعلى الأخص المسيحي الذي ينسب فعل الشر إلى غواية الشيطان)، ولكن ثمة شر تافه يجول في العالم كجرثومة قد تنتعش في كل مكان تجد فيها ظروفا ملائمة للسلطة التوتاليتارية. ولهذا تقول ارندت: "أعتقد صراحة أن الشر لم يكن راديكاليا أبدا، وإنما فقط شر إلى أقصى حد"[3].
يستوجب قلب المعادلة من الشر الجذري الى الشر التافه تغيير النية التي تحدث عنها كانط كأساس ذاتي لفعل الخير أو الشر، إلى النية كأساس ذاتي للتفكير، لأن غياب التفكير وغياب الفكر الذي لا تؤمن به التوتاليتارية (يمكن أن نسميه مع التفكيكية الاختلاف والاقرار بالتعدد وبالحوار التشاركي)، هو سبب الشر. ولهذا يتوجب أن نغير طريقة تفكيرنا نحو الخير دوما.
فالشر في نظر أرندت لا يعود سببه إلى الفاعل الذي تحول إلى مجرد وسيلة – آلة ميكانيكية – لتنفيذ سياسة عنصرية تقوم على الرفض وعلى معارضة الآخر ولا تعترف باقتسام الأرض مع من يستوطنها، إنه حالة غياب للاعتراف بالغير وغياب الايمان بالتشارك مع الآخر. هذه السياسة التسلطية التي تقوم على القوة والعنف، لا يمكنها أن تؤسس لسلام ولفعل حر مبني على تفكير عقلاني لدوام الخير الأصلح للناس. لذا فالعنف لا ينجم عنه إلا عنف مضاد، وكان من المفروض ألا يحاكم ايخمان باعتباره مجرما قام بفعل لا أخلاقي، وإنما يتوجب الاعتراف أنه ليس مذنبا بقدر ذنب النظام السياسي النازي الذي يمثله، وهكذا كان يكفي أن يعترف أنه ارتكب جرما في حق الإنسانية وأنه يتوجب أن يحاكم بقانون آخر غير القانون الذي صار هو نفسه منبع الشر



[1] - Eichmann à jérusalem, paris 1991, p 57.
[2] - Eichmann à jérusalem, paris 1991, p 251.
[3] - Ce que je pense vraiment c’est que le mal n’est jamais radical, il est seulement extrême. Eichmann à Jérusalem. Paris 1991, P 251.

هناك 3 تعليقات:

  1. لابدّ وأن رأي حنّة في إيخمان قد أثار جدلاً ؛ لا سيّما مع الساميّين اليهود (الذين وحسب رأيهم أصبحت حنّة لاساميّة بسبب رأيها) ، بيدَ أنها لم تنكر فعل إيخمان وإنّما هيَ ردته لأسبابه الأصليّة لتشمل نظرتها فعل إيخمان المندرج تحت نظام كامل ، فالنقد صار موجّها -بدلاً من أن يكون لفرد - للنظام بكليّته وقوانينه .

    ردحذف