الأربعاء، 25 يناير 2017

هابرماس: الحوار غير المكتمل بين اللاهوت والفلسفة (العقل والايمان)

يقول هابرماس في مستقبل الطبيعة البشريّة: "يبدو أن السؤال الفلسفي الأصيل عن الحياة التي يجب أن تعاش، هو سؤال يتحدد على مستوى من العموميّة الأنثربولوجية غير معروف حتى الآن. والتقنيات الجديدة ستفرض علينا نقاشاً عاماً يتناول الفهم الذي يجب تكوينه عن أشكال الحياة الثقافيّة بوصفها أشكالاً ثقافيّة. وبالتالي فإنه ليس من أسباب وجيهة تجعل الفلاسفة يتخلون عن موضوع خلافي كهذا لعلماء في البيولوجيا أو لمهندسين أغراهم العلم الوهمي"، وهو بذلك يقف على النقيض من جون راولز الذي يعتبر أن الفيلسوف هو بالدرجة الأولى سيّاسي يعمل على التنظير لقضايا الراهن، وأن يساير التطورات المواكبة للعصر، إلا أن هابرماس يقيم فصلاً بين السيّاسي والتّقنوي من جهة، وبين الفيلسوف من جهة أخرى، لأن هذا الأخير لا يساير وفقط الأحداث والوقائع وإنما يتأملها بعين ناقدة متخذاً مسافة من ثقافة السوق وأرباب الشركات الذين لا يهمهم غير التسويق لمنتوجهم والدفاع عن قيم تنسب نفسها إلى التحديث رغم أنها تناقض القيم النبيلة للإنسانيّة، فالغرب في نظره اكتسح العالم بقيم حقوق الإنسان لتصدير بضاعته وثقافته الاستهلاكيّة، وهو ما يعني أن سيرورة العلمنة الحديثة قد زاغت عن بعض مبادئها الأساس، مما يؤشر على حداثةٍ متعددة الأوجه أو عن حداثةٍ غير مكتملة، لذلك يقول: "نحن لا نفهم من وجهة نظر صحيحة، الأخطار المترتبة على انزلاقات العلمنة التي حدثت في أماكن أخرى إلا إذا نظرنا بوضوح لأنفسنا وعرفنا ما تعنيه العلمنة في مجتمعاتنا ما بعد العلمانيّة".

ينبع هذا التحذير من الأزمة المتناميّة في الغرب وفي الشرق معاً، بحيث "لا يمكن من وجهة نظر الدولة الليبراليّة، اعتبار الجماعات الدينيّة جماعات "عقلانيّة" إلا أذا امتنعت بطريقة اختياريّة عن فرض حقائقها الايمانيّة بالعنف، وممارسة كل ضغط نضالي على الضمير الاخلاقي عند المؤمنين، وعن الامتناع عن التلاعب بهم واستخدامهم في أعمال هجوم انتحاريّة". وهنا نتساءل: بماذا يتعلق الامر إذن؟ هل تستطيع الجماعات الدينيّة الفاعلة سيّاسيًّا أن تمتنع عن استعمال العنف؟ ألا يعتبر العنف عنصراً ضرورياً ومتجذراً في سلوك وثقافات تلك الجماعات؟ هل من معنى لوجود جماعات دينيّة دون قوة العنف؟ لماذا تلجأ في الأصل تلك الجماعات الى العنف؟ ما هي الحدود السيّاسيّة لوقف العنف؟ هل يستطيع خطابها أن يمتلك مشروعية بغير العنف؟
صحيح أن الشرعيّة الديمقراطيّة من وجهة نظر الليبراليّة السيّاسيّة تقوم على التراضي والتوافق والاتفاق، لكن أليست الجماعات الدينيّة في حد ذاتها نتاجاً لايديولوجيّة الليبراليّة السيّاسيّة؟ أليست تلك الجماعات تعبيراً عن أزمة الليبراليّة وأزمة العولمة والرأسماليّة العالميّة؟ ألا تحمل تلك الجماعات تعبيرات ليبراليّة في جوهرها؟ أليس نشاط الجماعات الدينيّة مدعوماً من قوى ليبراليّة؟ وبعبارة وجيزة كيف تصبح الجماعات الدينيّة جماعات عقلانيّة من وجهة نظر هابرماس؟
يضع هابرماس مجموعة شروط من شأنها أن تدمج الجماعات الدينيّة في الديمقراطيّة الدستوريّة وتقبل عن طواعيّة اللّعبة السيّاسيّة، وتتمثل هذه الشروط في:
أ‌.        الامتناع بطريقة اختياريّة عن فرض حقائقها الايمانيّة بالعنف؛
ب‌.  الامتناع عن ممارسة كل ضغط نضالي على الضمير الأخلاقي عند المؤمنين؛
ت‌.  الامتناع عن التلاعب بالمؤمنين واستخدامهم في أعمال هجوم انتحاريّة.
هل تسعفنا شروط هابرماس في ضمان استقرار سيّاسي فوقي غير متبوع بسياسات حقيقيّة لتنمية أوضاع المهمشين والمقصيّين حتى في المجتمعات الغربيّة ذاتها، ناهيك عن المجتمعات الشرقيّة؟
يذهب رواد الجيل الثالث لمدرسة فرانكفورت إلى الابتعاد ما أمكن من الليبراليّة السيّاسيّة من منطلق أنها المسؤول المباشر عن كوارث النيوليبراليّة التي حولت الوضع البشري إلى ما يشبه السّوق المفتوحة على التشيؤ اللامتناهي. فنحن إزاء مجتمع الاحتقار بامتياز بحسب أكسيل هونيث، وإزاء مجتمع التمييز والجور l’injustice بتعبير نانسي فريزر، وإزاء مجتمع المهاجرين واللاجئين بحسب سيلا بنحبيب.
لقد أدار هابرماس ظهره لكوارث الرأسماليّة العالميّة التي اجتاحت العالم، وجردت البشر من أبسط الحقوق، وبدلاً من سعيه وراء فهم تنامي الأصوليّة وانتشارها في كل بقاع العالم، وانغراسها وسط الحشود، يطالب من النظريّة السيّاسيّة الليبراليّة إيجاد مبادئ سيّاسيّة لضمان مشاركة الجماعات الدينيّة في النقاش العمومي، دون إجبارهم على التخلي عن حججهم الواهيّة. فهل يمكن أن تكف الجماعات المتطرفة عن تبني العنف وتجييش أنصارها في الميادين العامة؟ من يتحمل المسؤولية الكاملة في تعزيز العنف وجعله أمراً مقبولاً وعادياً؟ ألا تتحمل اللّوبيات المنتجة لألعاب الصغار العنيفة مسؤوليّة في تنامي العنف؟ وكذلك الأمر بالنسبة لصناع الصورة السينمائيّة والأفلام الكارطونيّة... إن طموح هابرماس أشبه ما يكون بطموح طوماس مور.
في نقد هابرماس
نميز في النقد الموجه إلى هابرماس بصدد دور الدين في الفضاء العمومي بين:
·       النقد اللاهوتي الذي يتزعمه كبار مفكري اللاّهوت في الغرب كما في الشرق وهو على شاكلتين:
-  1 - نقد (وخاصة في العالم الإسلامي) يستثمر موقف هابرماس ليدعم موقفه الدوغمائي والمتمثل في أن هذا العالم ليس بحاجة الى العلمانيّة، ويسوق فكر هابرماس بشكل محرف ليستغيث: هذا هو مصير العلمانيّة التي تطالبون بها تاريخيّاً. وهو موقف يسعى للتأكيد على ضرورة الاعتراف بالدين وحضوره في الميدان العام وعدم حصره في المجال الخاص. إلا أنه موقف يتناسى أن الخلط بين الدين والدولة عندنا يتجاوز سلطة اللاهوت أو الجماعات الدينيّة.
-  2 - نقد، يشيّد بموقف هابرماس ويذهب أعمق من ذلك مطالباً المجتمع الديني الى ثورة حقيقة داخل الدين لتطهيره من اللاعقلانيّة ومما يشوبه من خرافات وتضليلات لا تفيد العقل العمومي في شيء، وهو موقف مشحون بالليبراليّة السيّاسيّة. ولعل راتزينغر نموذج حي على هذا النوع من النقد.
·  النقد الماركسي: والذي يأخذ على هابرماس تخليه عن مبادئ المدرسة النقدية التي لا تتنكر للماركسية وان كانت على خلاف مع العديد من مبادئها. فهابرماس في تطور موقفه من الدين رصدنا أعلاه ثلاثة مراحل. أيكون بهذا قد أخذ في الشيخوخة الفكرية، ويسعى وراء طهرانية أشبه ما يكون بطهرانيّة كانط في 1794؟
·  النقد السياسي الذي تتزعمه بعض أقلام نخبة الاتحاد الأوروبي والتي تعاني من حضور الجماعات الدينيّة في الفضاء العمومي في اوروبا والتي تشدد الخناق باسم الديمقراطيّة ومبادئ العلمانية على تلك الجماعات لإحجامها عن تطورها الطبيعي.
·       نقد الجيل الثالث من أجيال مدرسة فرانكفورت والذي يتجه صوب الأصول النظريّة لهذا الموقف. فهابرماس في نقده للرأسماليّة المعاصرة وللنيوليبراليّة الني يعزو لها معظم المشكلات في عالم اليوم والتي يقول هو نفسه أنها سبب الفوضى على مستوى الهوية والتغيرات التي يعشها العالم، لم يقف في وجهها لبناء فلسفة اجتماعية جديدة إحياء لتقاليد النظريّة النقديّة، كما يفعل اليوم أكسيل هونيث.

هناك تعليق واحد: